القائمة الرئيسية

الصفحات

ما مفهوم الأمن الإلكتروني ؟ وما هي المساطر الإجرائية في رصد الجريمة الإلكترونية وأنواعها ؟

الأمن الإلكتروني والجريمة الإلكترونية


ما مفهوم الأمن الإلكتروني ؟ وما هي  المساطر الإجرائية في رصد الجريمة الإلكترونية وأنواعها ؟


مقدمة :



إن الحديث عن موضوع الأمن الإلكتروني وعلاقته برصد الجريمة الإلكترونية يدفعنا معرفة مدى ضعف الأمن المعلومياتي ومحدودية المراقبة والتحكم المندمجة في الأنظمة لصالح تقوية منظومة الاختراق والتجسس وسرقة المعلومات والمعطيات لدرجة ازداد معها التهديد الإلكتروني للأفراد والمؤسسات والدول على حد سواء، مما جعل الجرائم الإلكترونية تمثل تهديدا وخطرا مباشرا على الأمن والاستقرار وعائقا أمام التنمية بكل تجلياتها.



ومن هنا تبرز أهمية معالجة هكذا موضوع والذي يحيل على ثنائية معادلاتية تطرح الجريمة من جهة وتساءل وسائل التصدي لها من جهة أخرى لاستخلاص مدى إمكانية تحقق الحماية الجنائية في مواجهة الإجرام الإلكتروني.



فهذا النوع من الجرائم اصبح يهدد الأفراد والمؤسسات بالتعرض للتدمير والانهيار ويعرض الاقتصاد لخسائر لا حصر لها كم يهدد المجتمع بالتفكك والهلاك والأخطر بخصوص الجرائم الإلكترونية، حيث  أن هذه الجرائم تتنامى وتتعاظم في الوقت الذي تعاني فيه القوانين والتشريعات من صعوبة المواكبة والتطور للتصدي لها.



فدراسة هذه الجرائم تكتسي أهميتها من الإشكاليات التي تطرحها تشريعيا في مواكبة التطور التكنولوجي من خلال تميزها بخصائص تنفرد بها تستوجب التعامل معها بما يتلاءم معها فعلا وفاعلا باعتبار أن مرتكبيها ليسوا مجرمين عاديين وإنما هم أشخاص على مستوى عال من الخبرة وذوو مهارات تقنية في المجال المعلوماتي.

وهنا يطرح السؤال العريض كيف يمكن محاربة هذا النوع من الجرائم وكيف السبيل للتصدي لها ؟



إن أبرز الأجوبة ركزت على الجانب القانوني وذلك بإصدار ترسانة هامة من القوانين تكفل بها جانب خاص من القانون الخاص يصطلح عليه بقانون المعلوميات.




واقع الأمن القانوني وتحديات الجريمة الإلكترونية 



حينما تختفي القيمة الأساسية التي هي الأمن القانوني فلن تتمكن أية قيمة أخرى من النجاة أو البقاء ويصبح التقدم مجرد كلمة سخرية وتتضاعف أسوأ المظالم بالاضطراب والفوضى فالمصطلح ليس حديثا وإنما تم تداوله في الآونة الأخيرة للحاجة إليه من الناحية المرجعية والمسطرية والقضائية.



فمفهوم الأمن يولد مبدئيا القلق والخوف، وغالبا ما يرتبط هذا المصطلح الأمن" بالعيب أكثر من الفائض كما في قطاعات غير المجال القانوني، الذي لا يخرج عن نطاق هذه الحركة العامة من عدم اليقين.



ولقد أصبح مبدأ الأمن القانوني من اهم المفاهيم الأكثر تداولا في المنظومة القانونية والقضائية وخاصة في المجال التقييمي والنقدي المتعلق بالمجال التشريعي والاجتهاد القضائي، رغم انه مفهوم لم تتم دراسته بالقدر الكافي، فالأمن القانوني يبحث سير المساطر التشريعية والقضائية وسبل تنفيذ القانون ومدى الحرص على تأمين الحقوق الموضوعية للأفراد والجماعات.



وهذا ما جعل هذا المبدأ في صلب الاهتمام المتزايد للباحثين في المجال القانوني بصفة عامة لكونه يتيح إمكانية البحث في تضخم النصوص القانونية أو عدم استقرارها ويلعب دورا كبيرا في كسب الثقة واستقرار المعاملات.


ومن خلال هذه التعاريف التي أعطيت للأمن القانوني يتضح أن هذا الأخير يقوم على أساسين وهما :



  1. قابلية القانون على التوقع كشرط محوري للأمن القانوني.
  2. ووضوح القاعدة القانونية المطبقة.



وتبعا لذلك فإن الأمن القانوني يهدف إلى حماية المجتمع من الآثار السلبية للقانون، وذلك بتكريس مجموعة من المبادئ يمكن إجمالها في ثلاث مجموعات وهي :



  1. وضوح القاعدة القانونية وسهولة فهمها وعدم تناقضها واستقرارها ومعياريتها.
  2. المساواة والمحاكمة العادلة وضمان الحقوق والولوج للعدالة.
  3. الشفافية.



وبالجملة فإن مبدأ الأمن القانوني يبدأ منذ إعداد وتحرير القاعدة القانونية إلى غاية تطبيقها وتنفيذها على الوجه الأكمل في مواكبة تامة مع تطور المجتمع في جميع مناحيه، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه باليقظة القانونية، وهذه اليقظة القانونية تنتج عن ضرورة تقييم أداء النصوص القانونية في الواقع العملي، حيث تترصد المعيقات المحتملة أو الممكنة التي من شأنها تهديد الأمن القانوني، من قبيل تضخم القاعدة القانونية وتعقيدها أو عدم جودتها أو صعوبة فهمها أو الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون أو إنكار العدالة الخ...



الفرع الأول : واقع التشريع المغربي في مواجهة الجريمة الإلكترونية



إن بروز الجريمة الإلكترونية يأتي في إطار مواكبة منظومة الجريمة لتطور الحياة الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع مستفيدة من رقمنة الحياة العامة والمعاملات وتطور التكنولوجيا، لممارسة أفعال ضارة بالأفراد والجماعات، ومستغلة انتشار الآليات الذكية ومزايا الافتراضية والتخفي التي توفرها الشبكة العنكبوتية لروادها.



فقد صاحب تطور التكنولوجيا بتعبير الدكتور عبد الحكيم زروق تطور في أشكال الإجرام فاستعمال الأنترنيت أصبح يشكل فعلا يوميا مألوفا بين الناس وفي الحياة الخاصة والعامة، ورغم تطور نظم الحماية التقنية والمراقبة وإمكانية التحكم بالبيئة الإلكترونية من خلال موزع الخدمة فإن الجرائم الإلكترونية قد عرفت تطورا كبيرا كما وكيفا مما حدا بمختلف التشريعات في العالم إلى عدم الاكتفاء بنصوص القانون الجنائي وبادرت إلى سن نصوص خاصة.

وفي هذا الشأن استحدث المشرع المغربي جملة من النصوص الجنائية ضمنها القانون الجنائي كما سن تشريعات خاصة بالبيئة الإلكترونية.



ففيما يتعلق بالتعديلات التي أوقعها المشرع المغربي على القانون الجنائي فإن أهمها تتجلى فيما يلي :


  • القانون رقم 03-07 المتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات ( الفصول من 3-607 إلى 11-607 من القانون الجنائي ).
  • القانون رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب (الفصول 1-218 إلى 9 - 218 من القانون الجنائي 630 ).
  • القانون رقم 03-24- المتعلق بتعزيز الحماية الجنائية للطفل والمرأة الفصلين 1-503 و 2 - 503 من القانون الجنائي ).



أما التشريعات الخاصة المرتبطة بالبيئة الإلكترونية فتتجلى في :


  1. القانون رقم 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
  2. القانون رقم 02-200 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (الحماية الجنائية للمصنفات الرقمية ) المتمم بالقانون رقم 05-34 الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006.



والملاحظ بخصوص هذه الترسانة القانونية أنها رغم ما تبتغيه من التكامل، لا تخلو من صعوبات ذلك أن الجريمة الإلكترونية تتماشى والتطور الذي تعرفه تكنولوجيا المعلوميات نظرا للارتباط الوثيق بينهما، وهو ما ألقى بظلاله على صياغة نصوص " تجريم الأفعال الماسة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات سواء فيما يتعلق بتحديد المصلحة المحمية أو تحديد الأساليب والأنماط المختلفة لهذه الجريمة".



والسؤال الأساسي الذي يطرح في هذا الباب يتعلق أساسا بمعرفة مدى كفاية النصوص القانونية للتصدي للجريمة الإلكترونية؟

وللإجابة على هذا التساؤل يلجأ الدارسون إلى البحث في تصنيفات الجريمة الإلكترونية.


وفي هذا الإطار، يقسم الفقهاء وخاصة الترخت سيبار الجرائم الإلكترونية إلى :


  • جرائم الحاسوب الاقتصادية.
  • جرائم الحاسوب الماسة بالحياة الخاصة.



في حين يذهب ذ. أحمد حسام طه إلى تقسيمها إلى صنفين وهي:

 

  1. الجرائم الموجهة ضد نظم المعلوميات.
  2. الجرائم المرتكبة عن طريق استعمال نظم المعلوميات.



بيد أن ذ. نائلة عادل فتقسمها إلى ثلاث أصناف يكون محورها الحاسوب باعتبار وجوده وباعتباره محلا للفعل الجرمي وباعتباره وسيلة في ذلك.



أما الدكتور زروق فيصنف الجرائم الإلكترونية إلى ثلاثة أنواع وهي :


  1. الجرائم التي تستهدف نظام المعالجة الآلية للمعطيات.
  2. الجرائم التي تستهدف المعطيات والوثائق المعلوماتية.
  3. الجرائم المتعلقة بالإعداد لارتكاب المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات.



والواقع أن هذه التصنيفات مهما اختلفت تبين بوضوح عدم كفاية النصوص التقليدية للتعامل مع هذا النمط الجديد من الجرائم، الشيء الذي يبرر سن نصوص خاصة بالبيئة الإلكترونية.



كما أن الآثار السلبية للمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات كانت دافعا أساسيا لإيجاد الحماية التشريعية، خاصة وأن الاعتداء بمفهومه المادي مترسخ في ذهن رجال القضاء.



فكيف واجه القانون الجنائي المغربي هذا النوع من الجرائم؟ علما أن القانون الجنائي بصفة عامة لا يتطور بنفس وثيرة تطور تكنولوجيا المعلوميات.

يتجاذب الجواب على هذا الشكال اتجاهان برأي الدكتور زروق :



اتجاه يعتبر أن القانون الجنائي المغربي لا يواكب التطور التكنولوجي الذي يعرفه المجتمع فيما يخص الجريمة والعقاب وان نصوصه أصبحت متجاوزة وبالتالي فان الحماية التي توفرها غدت غير كافية وقاصرة باعتبار أن الجزاءات المترتبة فيه أضحت ضئيلة بالمقارنة مع جسامة الفعل الجرمي، أو أن بعض الاعتداءات غير مجرمة، مما يستدعي ضرورة الإسراع بملائمته وتطويره بشكل يتناسب وهذا النوع الجديد من الجرائم المتعلقة بالمجال الإلكتروني، لأن كل واقعة لا تعد جريمة ما لم يقرر القانون ذلك كما أن شرعية العقوبة أن لا تختلف عما يقرره المشرع.



أما الاتجاه الثاني فيعتبر أن القواعد الجنائية تتضمن هامشا من شأنه التمكين من التصدي لكل مستجد ذو صبغة اعتدائية في انتظار تدخل المشرع الجنائي بوضع قواعد قانونية للجرائم المستحدثة، وهذا هو الدور الذي يضطلع به القاضي في انتظار ذلك، حيث يعتمد على القواعد العامة في التجريم والشرعية الجنائية ومتسلحا بالتأويل كأساس للبث في نوازل خاصة بالجرائم الإلكترونية.



ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى ضرورة الأخذ بمبدأ التأويل وتمديد مجال تطبيق نصوص القانون الجنائي إلى الجرائم الإلكترونية لتجاوز حالات الفراغ التشريعي ودونما المس بمبدأ الشرعية في التجريم . وفي هذه الحالة، يتعين على القاضي الإلمام بالمبادئ الأولية للوظائف الفنية للبيئة المعلوماتية.



أما الدكتور زروق فيدعو إلى تجاوز هذا النقاش بانكباب المشرع إلى استحداث نصوص خاصة لتجريم هذا النوع الجديد من الجرائم. وهو الاتجاه الذي دأب عليه المشرع المغربي من خلال التعديلات التي عرفها القانون الجنائي وباعتبار النصوص القانونية الخاصة بالبيئة الإلكترونية التي تم سنها.



وبهذا الخصوص، نجد بأن المشرع المغربي قد ميز بين الحماية الجنائية للمعطيات وحماية تبادل المعطيات فميز بين جريمة فض مفاتيح التشفير وجريمة المس بالبيانات المشفرة، حيث سعى " إلى تهيئة بيئة قانونية تتناسب والتطور المذهل في مجال التبادل الإلكتروني للمعطيات الذي أصبح يتم من خلال الأنترنيت"، من خلال التأسيس لمرحلة التعامل الإلكتروني ( القانون رقم 05-53 ) وحماية المعطيات الشخصية لتقوية الثقة في المعاملات الإلكترونية القانون رقم 09-08) والتي تحسم في مسألة اعتبار المعطيات المخزنة بالحاسوب نوعا من الوثائق الإدارية.



وجدير بالذكر أن الحماية الجنائية للمعطيات تخص فقط المعطيات المدرجة داخل النظام، أما تلك الموجودة خارجه فإنها تصبح وثائق معلوماتية منفصلة عن النظام وتخضع بالتالي للقواعد العامة. وقد تم التنصيص على هذه الجرائم الإلكترونية في التشريع المغربي، حيث يتم التمييز بين الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي والجرائم الواردة في النصوص الخاصة بالجرائم الإلكترونية.



فأما الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي : فهي الجرائم المثبتة في التعديلات التي أوقعها المشرع المغربي على القانون الجنائي بمقتضى القانون رقم 03-07 المتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات الفصول من 3 - 607 إلى 11-607 من القانون الجنائي ).



وأما النصوص الخاصة فهي التي جاءت بها القوانين التالية :

  • القانون رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب الفصول 1 - 218 إلى 9-218 من القانون الجنائي ) ؛
  • القانون رقم 03-24 المتعلق بتعزيز الحماية الجنائية للطفل والمرأة الفصلين 1-503 و 2 - 503 من القانون الجنائي ).


وتبعا لهذه القوانين فان الجرائم الإلكترونية تتخذ الصور التالية :

  1. جريمة الدخول أو البقاء بشكل غير قانوني في نظام المعالجة الآلية للمعطيات.
  2. جريمة عرقلة سير النظام أو إحداث خلل فيه.
  3.  جريمة المساس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات بهدف المس بالنظام العام والتي تندرج في إطار جرائم الإرهاب.
  4. جرائم المساس بالمعطيات ذات الطابع الشخصي.
  5. جريمة الاحتيال أو الغش المعلوماتي.
  6. جريمة تزوير الوثائق المعلوماتية أو استعمالها.
  7. الجرائم المتعلقة بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.
  8. الجرائم المتعلقة بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.


وواكبت هذا المجال التشريعي مجموعة من المساطر الإجرائية تتعلق ببحث الشرطة القضائية أساسا كلبنة أساسية للحماية من الجرائم الإلكترونية .



الفرع الثاني : المساطر الإجرائية في رصد الجريمة الإلكترونية 



إذا كان المشرع المغربي قد وضع ترسانة قانونية بهدف تأسيس حماية قانونية للنظم المعلوماتية، فإن إرساء دعائم هذه الحماية وتقويتها، رهين بإحداث أجهزة أمنية وقضائية متخصصة، لضبط الجرائم الإلكترونية رغم أن دور الشرطة يبقى محدودا قانونيا لمواجهة هذه الجرائم المستحدثة ويتطلب الأمر إشراك المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي في الاستراتيجية الأمنية المعتمدة، لرصد هذا النوع من الجرائم وتعزيز التعاون الدولي في هذا الباب.



فعلى المستوى الإجرائي لابد من الإشارة إلى انه رغم صدور قانون المسطرة الجنائية رقم 01-22 لسنة 2003 إلا انه لم يتضمن أية إشارة لكيفية التعامل مسطريا مع هذا النوع من الجرائم ولاسيما ما يتعلق بالإثبات الذي يكون له طابعا الكترونيا، وما يتعلق بإجراءات التحقيق وما يتصل به من تفتيش ومعاينة اللهم ما جاء به الفصل 108 من هذا القانون والذي يسمح بالتقاط المكالمات الهاتفية والاتصالات كيفما كان نوعها في حدود ما يسمح به القانون، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذا الفصل يمثل التشريع الوحيد الذي يحدد إمكانية تعامل القضاء مع التكنولوجيا الحديثة.



وفي هذا الصدد، يذهب الدكتور بنسليمان إلى أن المشرع المغربي قد كان على دراية بضرورة مواكبة القواعد الإجرائية للجرائم المستحدثة وخاصة منها ذات الطابع الإلكتروني مستدلا بما جاء في ديباجة هذا القانون نفسه والتي تقول : " وقد وجدت أسباب أخرى دعت إلى تعديل قانون المسطرة الجنائية والتعجيل بإخراجه إلى حيز التطبيق من بينها (...) تصاعد ظاهرة الجريمة، وظهور أنواع جديدة من الجرائم مرتبطة بالتقدم العلمي والتكنولوجي وبالظروف الاقتصادية والاجتماعية ..



وفي نفس السياق، نجد بان القانون 05-43 المتعلق بغسيل الأموال الصادر في سنة 2005 نص على إحداث وحدة لمعالجة المعلومات المالية من ضمنها تكوين قاعدة للمعطيات المتعلقة بعمليات تبييض الأموال.



الفقرة الأولى : الأجهزة القضائية ودرها في التصدي للجريمة الإلكترونية



تتمز الجرائم الإلكترونية بكونها جرائم تقنية تنشأ في الخفاء، يرتكبها مجرمون أذكياء، يمتلكون أدوات المعرفة التقنية، التي توجه للنيل من الحق في المعلومات، وكل البيانات والمعطيات المنقولة، عبر نظم وشبكات المعلومات. لذا، فالتصدي لها يقتضي وجود عناصر خاصة من الضابطة القضائية لها من التكوين العلمي والمعرفي في ميدان المعلوميات، ما يكفي لمكافحة هذا النشاط الإجرامي الحديث.

وهذا لا يتحقق إلا بعد تلقيها التعليم والتدريب الكافيين على استخدام شبكات الاتصال واستخدام الأجهزة الفنية الحديثة والمعرفة الكافية باللغات الأجنبية، مما يسمح لها بالقيام بإجراءات التفتيش والضبط والتحفظ على الأدلة التي تساعد على إثبات الجريمة.



وبالرغم من الصعوبة التي تكتنف عملية تحديد وملاحقة مرتكب الأفعال الجرمية، نظرا لغياب نقاط المراقبة على الشبكات وتقنيات إرسال الرسائل والتحقق من هوية المجرمين وتشفير المعلومات ... مما يعقد من عمل الشرطة إلا أن هذه الأخيرة مطالبة بالتحقيق الجدي والكافي للوصول إلى المجرم المعلوماتي، والذي غالبا ما يترك آثار تنقله في شبكة المعلومات، كما أن الطابع الدولي للجريمة لا يحول دون إجراء التحقيق والملاحقة.



و هكذا يبقى دور الأجهزة الأمنية مهما في ضبط معالم الجريمة الإلكترونية، خاصة إذا كانت تتوفر على عناصر متخصصة في هذا الميدان، بإمكانها الإبحار عبر الشبكة، وبطريقة موجهة و هادفة لرصد ومتابعة التجاوزات التي قد تطرأ في مختلف مجالات استخدام هذه الشبكة، كما يتطلب الأمر أيضا تطوير تقنيات البحث والتحقيق، المعتمدة في مواجهة جرائم المعلوميات، وذلك بحكم خصوصية هذا النوع من الجرائم، وذلك من قبيل تطوير أو تحديث إجراءات المعاينة لمسرح الجريمة، والإجراءات المتعلقة بالتفتيش، وفق الشكل الذي يؤدي إلى ضبط أدلة لها علاقة بالجريمة.



ومن خلال وضع إطار قانوني خاص بالسماح بالولوج إلى الأنظمة المعلوماتية، لبحث، وتفتيش قواعد المعطيات الآلية باستعمال الشبكة و لكن مع مراعاة الضمانات و الضوابط، التي رسمها قانون المسطرة الجنائية للبحث والتفتيش. وأما بخصوص الشهادة في الجريمة الإلكترونية، فإن الأمر يتطلب وضع قواعد محفزة للشاهد المعلوماتي الدفعه، و إقدامه على مساعدة سلطات التحقيق، وتقديمه لها كل ما يحوزه من معلومات جوهرية لازمة، للولوج إلى نظم المعالجة الآلية للبيانات، للكشف عن أدلة الجريمة.



وهكذا، مثلا، فقد ساعدت مصلحة المعلومات التابعة لقيادة الدرك الملكي بالرباط، بتنسيق مع المصالح والمؤسسات المختصة في التعرف على أسماء وعناوين مجموعة من الضحايا تمت قرصنة بطائقهم البنكية، وجميع المعلومات المتعلقة بهذه البطائق المقرصنة، وكذا الأشخاص المتورطين في ذلك، مع التوصل لكيفية قيامهم بعملية القرصنة، ومعالجتهم للمعلومات المضمنة بالبطائق وتزويرها، كما أن تحليلها للمعطيات المستخرجة من الحاسوب المستعمل من قبل المتورطين، مكنها من معرفة بعض أسماء الأبناك، التي تم سحب النقود منها ، ورموز البطائق المقرصنة، واكتشاف خزائن مختلفة، مسجلة تحتوي على أرقام عدة بطائق بنكية لزبناء، تمت قرصنتها، تحمل أسماء المتورطين، الذين ألقي القبض عليهم.



وعموما هناك صعوبات مختلفة تعترض سلطات البحث والتحقيق، في ضبط الجريمة الإلكترونية، وهو ما يقضي من المشرع مراجعة قانون المسطرة الجنائية، ليتلاءم وخصوصية هذه الجريمة، الأمر الذي تنبهت له الكثير من التشريعات الأجنبية، التي قررت بعد سنها القوانين المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، تنظيم مسطرة خاصة بالبحث، على غرار مسطرة التقاط المكالمات الهاتفية، أو وسائل الاتصال الإلكترونية عن بعد، وخولت للسلطات القضائية صلاحية مراقبة هذه العمليات، ضمن الشروط والحالات المنصوص عليها في القانون.



فعلى الرغم من الدورالهام للشرطة في مواجهة الجريمة الإلكترونية، فيبقى عملها محدودا قانونيا، من خلال التقيد بأحكام القانون في إطاره ومضمونه العام ضمانة وحماية للحريات والحقوق ضد تعسف السلطة أو بالتطاول عليها في غير الحالات التي رخص فيها القانون بذلك من أجل حماية النظام الاجتماعي و بنفس القدر تحقيق حماية مماثلة للفرد ذاته.



وفي مجال الجرائم المستحدثة يمكن تحديد الدور القانوني للشرطة في مرحلتين :


1- مرحلة جمع الأدلة :

ويتمثل دور الشرطة في هذه المرحلة فيما يأتي : 

  1. تقوم الشرطة بمباشرة عملها دون أي خروج عن حدود المشروعية، فلا يتطرق هذا الدور إلى الدخول في حرمة الحياة الخاصة لأي من الأشخاص.
  2. جمع الإيضاحات عن الجريمة من المبلغ والشهود بعد التوصل إليهم.
  3. الاستماع إلى أقوال المتهمين والتحري عنهم بجمع المعلومات المختلفة ممن يعلم عنهم شيئا بل ومواجهتهم ببعضهم البعض وبالشهود في الجنح والمخالفات.
  4. الانتقال إلى مكان الجريمة ومعاينتها و البحث عن آثار الجريمة فيه إذا استدعى الحال لتفادي ضياع هذه الآثار وطلب رأي الشهود شفاهة او بالكتابة.
  5. تدخل الخبراء وفحص الآثار التي قد توجد على الأشياء المضبوطة.


2-  مرحلة الضبط :

يخول قانون الإجراءات الجنائية السلطات المعنية سواء أكانت سلطات جمع استدلالات أم سلطة تحقيق مباشرة إجراءاتها في ضوء ما ينص عليه قانون العقوبات على جرائم محددة على سبيل الحصر، وهو ما يعرف بمبدأ الشرعية بشقيها الموضوعي والإجرائي.



الفقرة الثانية : المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي والحد من الجريمة الإلكترونية


ثمة العديد من المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي، التي تم استحداثها ، للحد من الجرائم الإلكترونية، و لعل من أبرزها مركز النقذيات والبنوك المعلوماتية وشركات الاتصال.



ويلعب مركز النقذيات والبنوك دورا مهما في التصدي للجريمة الإلكترونية ومعرفة مرتكبيها . فقد تم انتدابه للاتصال بمختلف البنوك، على الصعيد الوطني، بغية الإفادة عن جميع عمليات السحب عبر الشبابيك البنكية، بواسطة بطائق الإئتمان المزيفة، وخصوصا التي تم ابتلاعها من طرف هذه الشبابيك.



ويقوم هذا المركز بمساعدة الضابطة القضائية في التحريات التي تجريها، والتي بمقتضاها تتوصل إلى قراصنة بطائق الائتمان، وتقديمهم للعدالة، وهو ما يبرز دور هذا المركز في رصد الجريمة الإلكترونية، والتي تعتبر متطورة في المجال البنكي، لسهولة تعرض زبنائها، كمستعملين للخدمات البنكية، والتجارة الإلكترونية، ووسائل الأداء للاعتداء.



إلا أن واقع هذه الجريمة في القطاع البنكي، يبرز ندرة الاعتداءات المباشرة على الأنظمة المعلوماتية للبنوك، وأن زبنائها هم الذين يتعرضون للإعتداء، من خلال الاعتداء عليهم، والحصول على معلومات خاصة بهم، تمكن المعتدين من استعمال أقنانهم السرية أو أرقام بطائقهم البنكية، ومن تم تقليدها أو استعمالها في سحب أموالهم .



وأما فيما يخص شركات الاتصال خصوصا من ها اللاسلكية المتنقلة، فقد شهد هذا القطاع تطورات تكنولوجية متسارعة، وخاصة على صعيد الأنظمة وشبكات الخدمة المرتبطة بها . وإذا كان تحديد هوية المعتدين على المعلوميات لم يعد وهما، فإن الكشف عن الشخصية الحقيقية لمرتكب الجريمة ما زال يواجها الكثير من الصعاب.



لذا، فمن الضروري تحسين أسلوب تتبع آثار الرسائل، و تحديد هوية المستخدمين ، حتى يمكن تحريك دعوى المسؤولية ، و هنا تظهر أهمية دور مؤدي الخدمة ك همزة وصل ضرورية بالنسبة لنقل المعلومات، والمقصود هنا بمؤدي الخدمة، شركات الاتصال باعتبارها تقدم خدمات للجمهور، و يبرز دورها في إمكانية تحديد هوية ناشر الرسالة وبياناته على مواقعها، ومن شأن هذا الإجراء أن يساعد على تحديد هوية الشخص المسؤول جنائيا.



ومن الضروري تحديد هوية المشتركين بشبكة الاتصالات لتسهيل عمل الشرطة في حال وقوع أية مخالفة، حيث يجب على مؤدي الخدمة شركة الاتصالات - أن يكون قادرا على تقديم بيانات شخصية عن زبنائها في إطار التحقيقات التي تتم بواسطة الشرطة عندما يطلب منها ذلك.



ففي فرنسا، يتم التعاون بين مؤدي الخدمة، ورجال الشرطة استنادا إلى المادة 462-1 من قانون العقوبات، التي دخلت حيز التطبيق أول مارس من 1994، وهنا تثار مشكلة جديدة بالنسبة للاشتراكات المجانبة، التي تتم دون تحديد هوية المشترك، هذه الاشتراكات هي التي تسهل ارتكاب الجرائم، في ظل غياب أي تحديد لهوية أو مكان المستخدم، وهو ما يصعب منعه أو إلغاؤه.



وتعد البيانات التي تتعلق بالاتصال، التي يقوم مؤدي الخدمة بتجميعها أوتوماتيكيا، عند توصيل المستخدم بالشبكة، ذات قيمة كبرى للمكلفين بالتحقيق، إذ يظهر فيها المستخدم ووقت بداية ونهاية الاتصال، والرقم الكودي للمتصل، والمواقع التي زارها، والمعلومات التي طلبها، والبيانات التي حصل عليها، فهذه المعلومات وغيرها، بمثابة الآثار التي يتركها المستخدم.



وتحفظ هذه البيانات بواسطة مؤدي الخدمة لفترات متغيرة، حسب أهمية وكثافة تردد العملاء، ومن المهم الاحتفاظ بهذه المعلومات لفترة كافية، حتى يمكن تسهيل عمل شرطة البحث في متابعة وإقامة الدليل على المخالفات المرتكبة.



خاتمة :



خلاصة القول، وإذا أضفنا الجانب المظلم للتكنولوجيا إلى جوانب مظلمة أخرى تهدد الإنسان في حياته الخاصة وفي ماله ومصالحه التجارية، أمكن الجزم بأن اتساع دائرة الإجرام المعلوماتي في مواجهة انحصار دائرة القانون وغياب قواعد زجرية رادعة من شأنه أن يجعل الإنسان أعزلا أمام تكنولوجيا المعلوميات فإذا كان الإنسان بالأمس قد عانى من ضرر الآلة، مما استدعى تدخل القانون لتوفير الحماية للإنسان عبر سن قوانين حوادث السير وحوادث الشغل ومسؤولية حارس الشيء إلى جانب تجريم بعض الأفعال غير العمدية، فإنه يمكن القول بأن القانون مدعو اليوم لحماية الإنسان من خطر التكنولوجيا، عبر إرساء نصوص جنائية مرنة تسمح بملاحقة كافة تطورات وتفريعات الإجرام الإلكتروني .


فبالإضافة إلى تطوير القوانين الداخلية لحماية النظم المعلوماتية، لا بد من إرساء دعائم هذه الحماية وتقويتها من خلال إحداث أجهزة أمنية وقضائية متخصصة. فإذا كانت مسؤولية القانون هي تنظيم مجال الإجرام والعقاب، فإن مسؤولية القضاء هي التفاعل الإيجابي مع القواعد التشريعية في اتجاه مكافحة الجريمة.


ومن هنا فان نجاح النظام القانوني رهين بمدى استجابته لأصداء التطور الذي يمر به المجتمع، إما من خلال مواجهة مستجداته أو عبر تطوير مفاهيم المبادئ والأفكار القائمة على المرونة في تطبيقها، مما يمكن من القول بان التطور الذي أحدثته تكنولوجية المعلوميات في النصوص والمصطلحات القانونية سيؤدي إلى ثورة معلوماتية قانونية، أو ما اصطلح عليه بثورة الأمن الرقمي.


 فى النهاية آخر نقطة أنت من ستضيفها فى التعليقات، شاركنا رأيك.

تعليقات

التنقل السريع