القائمة الرئيسية

الصفحات

ما هي وسائل الإثبات في نزاعات الشغل؟ حجية الكتابة - الشهادة - اليمين - الخبرة

وسائل الإثبات في نزاعات الشغل؟ حجية الكتابة - الشهادة - اليمين - الخبرة

ما هي وسائل الإثبات في نزاعات الشغل؟ حجية الكتابة - الشهادة - اليمين - الخبرة



تعتبر وسائل الإثبات في نزاعات الشغل الفردية أهم القواعد الهادفة لحماية طرفي عقد الشغل، والذي من خلال تنظيمه غير مشروط بشكلية محددة إذ قد يكون عقدا شفويا أو كتابيا و بحكم ما تتميز به نزاعات الشغل من خصوصيات فإن المشرع المغربي قد نص على مبدأ حرية الإثبات في مجال نزاعات الشغل وعدم حصره في وسائل الإثبات الكتابية وشهادة الشهود، وقد جسدت مدونة الشغل هذا المبدأ من خلال المادة 18 والتي جاء في فقرتها الأولى : " يمكن إثبات عقد الشغل بجميع وسائل الإثبات ".



إن استقلال قانون الشغل بخصائص مميزة جعله يخضع لنظام الإثبات الذي وضعه القانون المدني لطبيعته الخاصة، وهذه الخصوصية يمكن ملاحظتها على مستوى الإثبات بالكتابة وبشهادة الشهود (المطلب الأول)، أو من خلال باقي وسائل الإثبات العامة ( المطلب الثاني).



المطلب الأول : حجية الكتابة وشهادة الشهود كوسيلة إثبات



يعتبر قيام علاقة الشغل واستمراريتها واقعة يمكن إثباتها بجميع وسائل الإثبات بما في ذلك الكتابة (الفقرة الأولى) وشهادة الشهود (الفقرة الثانية).



الفقرة الأولى : حجية الكتابة في وسائل الإثبات


من خلال مقتضيات المادة 723 من قانون الإلتزامات والعقود، والمادة 18 من مدونة الشغل، نجد أن المشرع المغربي قد وضع قاعدة عامة مفادها أن عقد الشغل عقد رضائي ولا يستلزم إفراغه في قالب مكتوب ويمكن إثباته بكافة وسائل الإثبات.



وينتج الدليل الكتابي من ورقة رسمية أو عرفية ، كما يمكن أن تنتج أيضا من المراسلات والبرقيات ودفاتر الطرفين، وكذلك قوائم السمسرة الموقع عليها من الطرفين على الوجه المطلوب والفواتير المقبولة والمذكرات والوثائق الخاصة، ومن كل كتابة أخرى مع بقاء الحق للمحكمة في تقدير ما تستحقه هذه الوسائل من قيمة حسب الأحوال، وبذلك للمشغل الحق في تقديم دليل كتابي، عند مغادرة الأجير للعمل أو أنه ارتكب خطأ جسيما.



وتعتبر الكتابة من أهم وسائل الإثبات وأقواها حيث تصلح لإثبات جميع الوقائع القانونية، سواء كانت تصرفات قانونية أو أعمال مادية وبالتالي تكون ملزمة للقاضي ما دام الخصم معترف بها.



إن المشرع المغربي كان رحيما بالأجير عندما اعتبر أن الأصل في عقد الشغل هو أنه شفوي، عكس المشرع المصري الذي ألزم المشغل بتحرير عقد الشغل كتابة بالغة العربية من ثلاث نسخ، يحتفظ بنسخة ويسلم نسخة للأجير وتودع الثالثة لدى مكتب التأمينات الاجتماعية المختصة، مع ما يجب أن يتضمنه العقد من بيانات المادة 32 من قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003، مع ذلك فإنه في حالة تحرير العقد كتابة في القانون المغربي فإنه أوجب تحريره في نظيرين موقع من طرفي العلاقة الشغلية ومصادق على صحة إمضائهما من طرف الجهة المختصة مع إلزامه باحتفاظ الأجير بأحد النظيرين.



وأمام التوسع في استعمال تقنيات الإعلاميات فقد عرفت قواعد الإثبات تحولات عميقة حيث جاء قانون 13 مارس 2000 المتعلق بالتوقيع الالكتروني ومرسومه التطبيقي بتعريف الدليل الإلكتروني كما قررت ذلك المادة 1316 من القانون المدني الفرنسي، وهكذا أصبح المحرر الإلكتروني محررا قانونيا وهو يشكل وسيلة من وسائل الإثبات على غرار المحرر الورقي على شرط أن تتوفر فيه الآليات المستعملة للثقة اللازمة التي تمكن من حفظ الوسائل وهوية أصحابها ومرسليها، وتلعب الوسائل الحديثة نفس دو الكتابة الورقية في حفظ المعلومات من أجل تدبير الأعمال.



إن المحرر الكتابي لعقد العمل قد يكون عرفيا كما قد يكون رسميا كما سلف الذكر، وتتعدد وسائل الإثبات الكتابية، التي يمكن اعتمادها لفائدة الأجير أو لفائدة المشغل وفي حالة إدلاء أحدهما بهذه الوثائق ينبغي على المحكمة أن تتأكد من تاريخ بداية العمل وكذا تاريخ تحرير هذه الوثيقة لمعرفة ما إذا كان العقد محدد المدة أو غير محدد المدة.



وقد أطلق القضاء يد العامل في حرية إثبات علاقة الشغل بكافة وسائل الإثبات وخاصة منها شهادة الشهود ولو بواسطة شاهد واحد والتي تعتبر وسيلة في متناول العامل ودون أي اعتبار لعلاقة التبعية التي تربط الشاهد بالمشغل.



الفقرة الثانية : شهادة الشهود



تعتبر شهادة الشهود من أهم وسائل الإثبات انتشارا على أرض الواقع والساحة القانونية في المادة الاجتماعية، وذلك راجع بالأساس إلى الطابع الاجتماعي و الحماني للأجير، كما أن المادة 280 من قانون المسطرة المدنية تعطي الحق للقاضي في إجراء بحث والاستماع إلى الشهود، كما تنص المادة 55 من قانون المسطرة المدنية على الحق للقاضي بإجراء بحث أو الوقوف على عين المكان وإجراء خبرة. والشهادة هي تقرير حقيقة أمر توصل الشاهد إلى معرفته بعينه أو بأذنه، أو هي كما تعرف بأنها إخبار الإنسان في مجلس القضاء بواقعة صدرت من غيره يترتب عليها حق لغيره، ويجب أن يكون الشاهد قد أدرك شخصيا بحواسه الواقعة التي يشهد بها، بحيث يكون قد رآها أو سمعها بنفسه.



ولقد ذهب القضاء المغربي في معظم قراراته على الاعتماد بشهادة الشهود في أكثر من مناسبة، سواء قبل صدور مدونة الشغل أو بعد صدورها، واعتبر أن إثبات علاقة الشغل واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة وسائل الإثبات بما في ذلك شهادة الشهود ومن القرارات التي صدرت في هذا الإطار ، بعد دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ قرار 23 مارس 2005 الذي جاء فيه: " إن المحكمة لديها سلطة تقديرية في تقييم الحجج أن الشاهدين.... الذين صرحا أنهما يعرفان الأجيرة تعمل في حانة المشغل من سنة 1978 إلى غاية سنة 2000، وذلك بحكم أنهما يعملان بمقهى مجاورة للحانة التي تشتغل بها المدعية، والمحكمة لما حکمت بثبوت العلاقة الشغلية للأجيرة يكون قرارها مرتكز على أساس..."، وهو ما سار عليه قرار أخر عدد 827، قبل صدور مدونة الشغل سنة 1982 حيث جاء فيه: " إن محكمة الاستئناف التي لم تستجب لملتمس الاستماع إلى شهادة الشهود لإثبات علاقة العمل تكون قد خرقت مقتضيات المادة 171 من قانون المسطرة المدنية التي تجيز الأمر بإجراء بحث بالاستماع إلى الشهود في شأن الواقعة التي يمكن معاينتها من طرفهم..."



ومن أهم القرارات التي فيها حماية للأجير، نجد القرار الصادر في 6 أكتوبر 2004 الذي اعتمد فيه المجلس الأعلى لإثبات علاقة الشغل على شهادة الشهود مستبعدا حجة كتابية لأنها من صنع المشغل.



ويتبين لنا من خلال القرارات السالفة الذكر حقيقة مفادها أن شهادة الشهود تعد وسيلة من وسائل الإثبات وتلعب دورا مهما في تنوير بصيرة القاضي للوصول إلى الحقيقة، ويبقى لقضاة الموضوع السلطة التقديرية لشهادة الشهود، ولا رقابة عليهم من قبل محكمة النقض إلا إذا حرفوا تلك الشهادة.



مما تقدم يمكن القول بأن التوجه الذي كرسته مدونة الشغل من خلال المادة 18 حول إثبات عقد الشغل بكافة وسائل الإثبات هو تحصيل حاصل للتوجه الذي سار عليه القضاء منذ مدة طويلة، الأمر الذي جعل المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل لم يقيد عقد الشغل بشكلية معينة، وبالتالي جعل من قعد الشغل الكتابي هو الاستثناء، نظرا لكون غلبية إشكالية الإثبات في قضايا الشغل الفردية عقود الشغل من الناحية العملية تكون شفوية، ما دام أن المشرع المغربي لا يلزم إبرام عقد الشغل كتابة.



وتكون المحكمة مجبرة على سماع شهادة الشهود، سواء كانت تربطهم علاقة تبعية مع المشغل أو من الأغيار، ولا يعتد بشهادة السماع التي يستند فيها الشاهد إلى ما سمعه من الشهود أو غيره فلا يعتد بها، عكس الشهادة التي تؤدى داخل مجلس القضاء، وأن تكون بمنأى عن أسباب الترجيح.



أما بخصوص شهادة الشهود الذين تربطهم بالمشغل علاقة تبعية وما حجيتها في الإثبات فإن الفصل 280 من قانون المسطرة المدنية لم يضع أي طرف بين الشهود، وبذلك ترك الباب للاستماع لكافة الشهود المرتبطين بعلاقة التبعية مع المشغل.



وبخصوص إشكال شهادة الأجير الواحد، فإن الاجتهاد القضائي قد حسم الجدال الفقهي الذي يدور حول الأخذ بهذه الشهادة أو عدم الأخذ بها، وذلك عندما أباحت محكمة النقض المجلس الأعلى سابقا الأخذ بشهادة الأجير الواحد إذ جاء في قرار المجلس الأعلى. " لا يوجد في القانون نص يمنع الأخذ بشهادة الشاهد الواحد لإثبات علاقة العمل، وأن القرار المعلل بعدم كفاية الشاهد الواحد لإثبات العلاقة من غيره بيان الأساس القانوني لذلك يكون ناقص التعليل".



المطلب الثاني : باقي وسائل الإثبات العامة



ما دام المشرع المغربي يسمح بإثبات عقد الشغل بكافة وسائل الإثبات فإنه يمكن إثبات هذا العقد بواسطة الكتابة أو الشهادة، إضافة إلى هذا يمكن إثباته بكل من الإقرار واليمين (الفقرة الأولى) إضافة إلى المعاينة والخبرة ( الفقرة الثانية).



الفقرة الأولى : حجية الإقرار واليمين كوسيلة إثبات



سوف نتطرق في هذه الفقرة إلى كل من حجة الإقرار (البند الأول) وإلى حجية اليمين في (البند الثاني).



البند الأول : حجية الإقرار



يقصد بالإقرار اعتراف الشخص بصحة واقعة يترتب على وجودها إلزامه بنتائجها القانونية قبل شخص آخر سواء قصد به ترتيب هذا الإلتزام أم لا، ولكي يكون الإقرار له قوة في الإثبات يتعين أن كون جديا وأن يعتبره المقرر حقيقيا ويحصل على علم منه، بأنه سيكون دليل إثبات ضده فيما تضمنه، ويعتبر الإقرار هو أقوى وسيلة في الإثبات وكما يقال أن الإقرار هو سيد المداولة فإذا أقر المشغل بوجود عقد شغل فعليه إثبات إنقضائه.



وقد نص الفصل 405 من قانون الالتزامات والعقود على أن الإقرار القضائي وغير القضائي"، فالإقرار القضائي هو الإعتراف الذي يقوم به الخصم أو نائبه المأذون له في ذلك إذنا خاصا، أمام المحكمة الإقرار الحاصل أمام قاض غير مختص، أو الصادر في دعوى أخرى يكون له نفس أثر الإقرار القضائي".



كما تنص الفقرة الأولى من الفصل 407 من قانون الإلتزامات والعقود على أن "الإقرار الغير قضائي هو الذي لا يقوم به الخصم أمام القاضي ويمكن أن ينتج من كل فعل يحصل منه وهو مناف لما يدعيه".



وقد أكد محكمة النقض المجلس الأعلى سابقا في قراره عدد 2004/1032، أن الإقرار أمام القضاء بواقعة معينة يشكل وسيلة من وسائل الإثبات واعتبر الأجير الذي أقر أنه غادر العمل في محضر البحث ولم تلتفت المحكمة لإقراره تكون المغادرة ثابتة في حقه ويكون القرار خارقا للقانون لعدم الأخذ بإقرار الأجير وقد أجاب القرار بما يلي: " تجيب الطالبة على القرار المطعون فيه انعدام التعليل ذلك أن محكمة الاستئناف استبعدت الدفع بالمغادرة التلقائية رغم اعتراف المطلوب بها".



كما جاء في قرار آخر صادر عن محكمة النقض المجلس الأعلى سابقا) : " لكن حيث إن المحكمة لم تثبت لديها من خلال وثائق الملف وجلسة البحث أن الطاعنة تقر فعلا أنها هي التي حررت الفاكس الموزع في 19 يوليو 2001 والمتعلق باستقالتها ولما تبين للمحكمة من خلال الفاكس أن الطاعنة تصرح أنها تستقيل بصفة نهائية، لم تكن بحاجة للرد على كل الدفوع المتعلقة بالتأويل أو المتعلقة بالفصل 440 من ق.ل.ع، للإقرار الصريح للأجيرة بالاستقالة فكان جوابها رفضها ضمنيا له وكان ما قضت به مرتكزا على أساس، والوسائل مجتمعة لا سند لها.



كما أن الإقرار قد يأتي ضمنيا، تستخلصه المحكمة من مواقف المشغل كعدم منازعته في علاقة العمل، وهو ما أكده القضاء المغربي في قرار له " حيث إن المستأنف لم ينف في المرحلة الابتدائية علاقة الشغل بينه وبين المستأنف عليه ولم ينازع فيها... وبالتالي إشكالية الإثبات في قضايا الشغل الفردية فعلاقة الشغل بينه بجميع عناصرها خاصة منها التوجيه والتبعية ثابتة بين المستأنف المذكور والمستأنف عليه".



غير أن المشغل قد يقر بعلاقة الشغل مع المدعي وينازعه في مدتها، فإقرار المؤاجر هنا إقرار مركب ويجوز تجزئته طبقا لمقتضيات الفصل 414 من ق.ل.ع وبالتالي فالمحكمة تعتبر علاقة الشغل ثابتة بإقرار المشغل وتكلف الأجير بإثبات مدة الشغل التي يتمسك بها أو تعتمد المدة المقر بها من طرف المشغل.



من خلال القرارات السالفة الذكر نلاحظ أن الإقرار يعتبر وسيلة حاسمة في إثبات علاقة الشغل يكون غالبا من طرف المشغل الذي لا يتردد في إنكار مدة العلاقة خوفا من آثارها.



البند الثاني : حجية اليمين كوسيلة إثبات



في المجال الاجتماعي والتجاري قد نجد استعمال اليمين كوسيلة من ووسائل الإثبات إذ غالبا ما تستعمل للتأكيد بعد استعمال وسيلة أخرى بمعنى أن حجية اليمين ليست مطلقة.



واليمين هي إشهاد الله تعالى على صدق ما يخبره به الخالق، ويتكلف الشهود باليمين قبل تأدية شهادتهم إشعارا لهم بوجوب قول الحق ويكلف بها أحد الخصوم لتأكيد ادعائه عندما يعوزه الدليل عليه، ولذلك أمكن أن نعتبر اليمين من وسائل الإثبات أمام القضاء، ويعتبر اليمين طريق غير عادي للإثبات والالتجاء إليه أمر لا يحصل إلا نادرا، وذلك عند تعذر قيام الدليل من وسائل الإثبات الأخرى المتقدمة، أو عدم كفاية ما قدم منها لإقناع القاضي.



ووفق الفصول 85 إلى 88 من ق.م.م، فإن اليمين تنقسم إلى يمين حاسمة وأخرى متممة، فالأولى أي اليمين الحاسمة، وسيلة تغني عن الإثبات عند انعدام أي دليل على الحق المدعى به، بمعنى آخر أن لأي خصم في النزاع أن يدعي مصلحة لا دليل عليها أن يحتكم إلى ذمة خصمه بتوجيه اليمين الحاسمة إليه، على عكس الأولى، فإن الثانية (أي اليمين المتممة توجه من طرف القاضي إلى أحد الخصوم، وذلك بهدف تتميم وتكملة الحجج والأدلة المشوبة بالنقصان والمقدمة في الدعوى، بمعنى إنها لا تكفي للوصول إلى حد الإقناع.



وقد اعتد القضاء باليمين المؤداة أمام المحكمة وليس باليمين المؤداة أمام الضابطة القضائية، إذ جاء في قرار محكمة النقض المجلس الأعلى سابقا بأنه : "ومن جهة أخرى فإن الشهادة المعتمد بها قانونا هي تلك الشهادة المؤداة أمام المحكمة بعد أداء اليمين القانونية، لا تلك التي صرح بها صاحبها أمام الضابطة القضائية".



وتتبلور أهمية اليمين في نزاعات الشغل في حالة ما لم يوجد عقد كتابي أو أي دليل كتابي آخر، بحيث أن اعتماد شهادة الشهود لا يعتد بها إلا إذا كانت مقرونة بأداء اليمين القانونية، وذلك حسب الفصل 4556 من ق.ل.ع.



وهو ما أوضحه محكمة النقض المجلس الأعلى سابقا في الملف الاجتماعي عدد 2003/1/5/1251، حيث جاء فيه  " ... أما المعلمة فلم يتم الاستماع إليها واكتفى فقط المشغل بالإدلاء بصورة لتصريح لها وهذا غير كاف لأن الشهادة المعتمد بها هي التي تؤدى عنها اليمين القانونية".


وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن القضاء المصري قد ذهب منذ وقت طويل لتكريس إحدى القواعد المناصرة للأجير كطرف ضعيف في العلاقة الشغلية، حيث كرس عدم أحقية رب العمل في إثبات العقد أو أي شرط من شروطه باليمين الحاسمة، وحصر هذه الإمكانية فقط للأجير.


وأخيرا يمكن الإشارة إلى أنه يمكن للأجير الذي يعوزه الدليل لإثبات إدعائه بوجود عقد شغل بينه وبين خصمه المشغل أن يوجه اليمين الحاسمة إلى مشغله، كما أنه يمكن للمحكمة تلقائيا أن توجه اليمين إلى أحد طرفي النزاع الذي أدلى بحجة غير حاسمة في النزاع.



الفقرة الثانية : وسيلة القرائن والخبرة في الإثبات



من خلال هذه الفقرة سوف اعمل على دراسة القرائن في (البند الأول) فيما أخصص (البند الثاني) لحجية الخبرة.



البند الأول : القرائن



تعتبر القرينة هي ما يستنبطه القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول، وقد عرف المشرع المغربي القرائن في الفصل 449 من ق.ل.ع على أنها "دلائل يتخلص منها القانون والقاضي وجود واقعة مجهولة، ونفس المقتضى نصت عليه المادة 1349 من القانون المدني الفرنسي التي عرفت القرائن بأنها النتائج التي يستخلصها القانون أو القاضي من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة.

فالقرائن إذا هي أدلة غير مباشرة، إذ لا يقع الإثبات فيها على الواقعة ذاتها مصدر الحق، بل على واقعة أخرى ثبتت أمكن أن يستخلص منها الواقعة المراد إثباتها.



أما القانون المصري فقد نص على في المادة 99 من قانون الإثبات على أن "القرينة القانونية تغني مت تقررت عن أي طريقة أخرى من طرق الإثبات".



وتنقسم القرائن إلى نوعين قرائن قضائية وأخرى قضائية، فالأولى (أي القرائن القضائية) هي قرينة واقعية يمكن أن يستنبطها القاضي من واقعة معينة ويعتمد عليها كوسيلة للإثبات في مجال نزاعات الشغل، إذ تعتبر وسيلة لإقناع القاضي.



بينما القرينة القانونية ليست دليلا يثبت بها المدعي دعواه وإنما هي قاعدة يعني بها المشرع ذلك الذي توافرت في حقه ظروف معينة من عبء الإثبات كله أو بعضه، والقرينة القوية أو المطلقة لا يمكن دحضها بأي وسيلة كانت.



ويعتبر من توافرت في حقه مدعيا أمرا ظاهرا فرضا، ينتقل عبء إثبات ما يخالفه على خصمه، مثلا فالوفاء بقسط من الأجر قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة على هذا القسط لذلك دليل على وفائه.



وقد وضع الكتاب السابع من مدونة الشغل الفرنسية مجموعة من القرائن التي يمكن اعتبارها وسائل تعفي الأشخاص الذين تقررت لصالحهم من إثبات عقد الشغل، وهي تهدف إلى جعل الأجراء يستفيدون من مقتضيات مدونة الشغل، كما اعتبر القضاء الفرنسي بأن وجود عقد كتابي غير محترم الشكلية المتطلبة، ولم يسلم للأجير بعد يومين من الاستخدام يعد قرينة على وجود عقد الشغل.



ومن خلال هذا يمكن القول أن في مجال علاقات الشغل هناك العديد من القرائن القضائية التي تلزم المحكمة على البحث عن جودة عقد الشغل، مثل مكان تنفيذ عقد العمل أو حيازة الأجير لأدوات عمل يملكها المشغل، وكذلك الأجر، بحيث أن الأجير يتقاضى مقابلا عن العمل الذي يقوم به وهو الأجر من المشغل، وهناك العديد من القرائن و المزيد من المؤشرات التي تفيد في الاستدلال غير المباشر على وجود عقد الشغل، ويبقى لمحاكم الموضوع السلطة التقديرية وهي التي تقرر هل يتعلق بعقد شغل أم لا، وهي خاضعة في هذا الصدد لمحكمة النقض.



البند الثاني : حجية الخبرة



لقد عالج المشرع المغربي الخبرة كوسيلة من وسائل اللإثبات في الفصول من 59 ألى 66 من ق.م.م، وقد حاول الإحاطة بكل جوانبها الإجرائية والموضوعية، وكعادته لم يقم المشرع بإعطاء تعريف صريح لها واكتفى بالإشارة في الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية " يمكن للقاضي بناءا على طلب أحد الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن يأمر قبل البث في جوهر الدعوى بإجراء خبرة ..."



وإن هذا الإجراء لا تلجأ إليه المحكمة في غالب الحالات إلا إذا تعلق الأمر بالتحقيق في واقعة تقنية أو فنية تكون المحكمة مضطرة إلى الأمر بإجراء خبرة على أساس أن تكون النقط التي تجرى فيها الخبرة تقنية لا علاقة لها مطلقا بالقانون، مثال لذلك الاستعانة بالخبراء للوقوف على دفاتر المشغل حول الأجور المدفوعة للأجير.



ويتبين من خلال مدلول الفصل 281 من ق.م.م أن الخبرة تنصب على المسائل الفنية والتقنية، لا القانونية ويتم اللجوء إليها بكثرة في مجال حوادث الشغل والأمراض المهنية ولا يستطيع الخبراء، وليس من حقهم إبداء آرائهم في أمور قانونية، هذا ما أقره القضاء المغربي في قرار له، جاء فيه: " إن مهمة الخبير الذي تعينه المحكمة تنحصر في أمر تقني يرى الاطلاع عليه للفصل في النزاع المعروض عليه، أما الإجراءات التي تتعلق بالقانون... كلها إجراءات قانونية من صميم أعمال القاضي الذي لا يجوز أن يتنازل عنها للغير، أو يفوض النظر فيها، وأن المحكمة التي اعتمدت على الخبرة من هذا النوع تكون قد جردت قضاتها من الأساس القانوني وعرضته للنقض".



وقد جاء في قرار آخر صادر عن محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا)، ما يلي: " لكن حيث إن الخبرة المنجزة من طرف المشغلة وإن أكدت أن الحاسوب تعرض لبعض الأعمال التي أدت إلى ضياع المعلومات منه، فإنها لم تثبت أنه كان بفعل الأجير ..."



هذا ورغم أهمية الخبرة والدور الذي تلعبه في مساعدة القضاء، فإن إجراءاتها المعقدة تساهم وبشكل ملحوظ في بطء الفصل في النوازل والزيادة في تكلفة التقاضي، إذ تعد مصاريف إجراء الخبرة إشكالا حقيقيا يعوق السير العادي للعدالة.



وحسب المادة 22 من القانون رقم 54.00 نجد أن المشرع المغربي قد أخضع أعمال الخبير لمراقبة القضاء إذ تنص على :" يجب على الخبير أن يؤدي مهمته تحت مراقبة المستشار المقرر أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية".



خاتمة :


خلاصة القول أن إخضاع المادة الاجتماعية في الإثبات للقواعد العامة يعتبر من العوائق التي تحول دون بلورة قانون مستقل للشغل بقواعده ومبادئه الخاصة به، فلا يكفي سن من القواعد ما يحمي الطبقة العاملة، ونحن لم نعمل على خلق قواعد خاصة للإثبات تسهل استخلاص الحقوق والمزايا التي حولتها مدونة الشغل للأجير باعتباره الطرف الضعيف في لعلاقة الشغلية.


وانطلاقا مما سبق ذكره فتوحيد الاجتهاد القضائي يعد ضرورة حتمية لسد الثغرات القانونية، والحد من كل التحايلات التي قد تطال القانون باسم القانون، وبالتالي ضمان المساواة للجميع أمام القضاء.


وبالرغم من التناقض المذكور بفعل الاجتهاد القضائي، فإن المشرع ذهب إلى جعل إثبات الحقوق والامتيازات على عاتق المشغل، ولم يبقى للأجير إلا إثبات العلاقة الشغلية في حالة إنكار المشغل لهذه العلاقة.


 فى النهاية آخر نقطة أنت من ستضيفها فى التعليقات، شاركنا رأيك.


تعليقات

التنقل السريع